الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
538
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الخسيسة الغبية ، والشبه الدنية ، وآثار كامن المحبة الشريفة العلية ، وضبط السامع نفسه ما أمكنه ، بحيث لا يرفع صوته بالبكاء ، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه مع العلم بما يجب للّه ورسوله ويستحيل ، لئلا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق ، كان من الحسن في غاية ، ولتمام تزكية النفس نهاية . نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة ، وللخروج من الخلاف ، إلا نادرا . وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم ، ولعل مرادهم ما كان فيه تهييج شيطانى ، وإذا كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب ، لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم ، بل يختلف ذلك بالأشخاص ، واختلاف طرق النغمات ، فحكمه حكم ما في القلب ، وهو لمن يرتقى لربه ترقية مثير للكامن في النفوس من الأزل ، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 1 » فما كان في القلب من رقة ووجد وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب ، والأعضاء كلها ناطقة بذكره ، مستطيبة لاسمه ، فالسماع من أكبر مصايد النفوس ، وإذا اقترن بألحانه المناسبة ، وكان الشعر متضمنا لذكر المحبوب الحق ، برز الكامن وذاعت الأسرار سيما في أرباب البدايات . وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم ، فقد شوهد تدلى الطيور من الأغصان على أولى النغمات الفائقة ، والألحان الرائقة ، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرا يستخف معه الأحمال الثقيلة ، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة ، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه ، فتراه إذا طالت عليه البوادي ، وأعياه الإعياء تحت الحمل إذا سمع منادى الحداء يمد عنقه ويصغى إلى الحادي ، ويسرع في سيره ، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل ، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 172 .